يرى الباحث عمرو حمزاوي أن التصعيد العسكري المرتبط بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يعيد تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. ويشير إلى أن طهران لم تعد تكتفي بضرب أهداف مرتبطة بتل أبيب وواشنطن، بل وسّعت نطاق عملياتها لتشمل بنى تحتية حيوية في دول الخليج العربية، الأمر الذي يفتح مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية.

 

تذكر مؤسسة كارنيجي أن المنطقة تشهد تصعيدًا غير مسبوق بعد إطلاق إيران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول خليجية عدة. أعلنت وزارة الدفاع في الإمارات رصد 186 صاروخًا باليستيًا و812 طائرة مسيّرة اتجهت نحو أراضيها، واعترضت أنظمة الدفاع الجوي معظمها رغم وقوع أضرار في البنية التحتية وسقوط ضحايا مدنيين. واستهدفت هجمات مشابهة منشآت نفطية ومواقع اقتصادية في السعودية، بينها منطقة رأس تنورة، بينما تعرّضت موانئ ومدن ساحلية في عُمان لهجمات بطائرات مسيّرة أصابت ناقلات نفط وأصابت بعض العاملين. كما شهدت قطر والبحرين والكويت هجمات مماثلة.

 

تحوّل جذري في العلاقات الأمنية

 

أدخل توسيع إيران لنطاق ضرباتها العسكرية المنطقة في وضع جيوسياسي جديد لم تعرفه منذ عقود. إذ يرى كثير من دول الخليج الآن أن طهران تمثل تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأمنها الوطني، بعد سنوات حاولت خلالها بعض هذه الدول احتواء التوتر عبر قنوات دبلوماسية واقتصادية.

 

شهدت السنوات الماضية محاولات لخفض التصعيد مع إيران، شملت إعادة فتح سفارات والتعاون في ملفات محدودة. لكن الهجمات الأخيرة قلّصت الثقة في إمكانية بناء علاقة مستقرة مع طهران، وعززت توجهًا أكثر تشددًا في السياسات الأمنية تجاهها.

 

ويعني هذا التحول أن فكرة التعايش الاستراتيجي مع إيران تتراجع تدريجيًا، بينما تتقدم حسابات الردع العسكري والأمني في صياغة السياسات الإقليمية.

 

تعميق الاعتماد الأمني على واشنطن

 

يرجح التحليل أن تدفع هذه التطورات دول الخليج إلى إعادة صياغة عقائدها الأمنية بصورة تجعل التقارب مع الولايات المتحدة خيارًا استراتيجيًا شبه حتمي. فالهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة تفرض تحديات دفاعية يصعب على الدول الخليجية التعامل معها بمفردها.

 

يعتمد الردع العسكري الفعّال في هذه الحالة على أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة والدعم الاستخباراتي والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. ويعزز هذا الواقع موقع الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج.

 

كما يقلل هذا التحول من فرص توجه بعض الدول إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية بعيدًا عن واشنطن نحو قوى دولية أخرى مثل الصين أو روسيا.

 

تصاعد كلفة الأمن الإقليمي

 

تؤدي الهجمات الإيرانية إلى رفع كلفة الأمن في المنطقة بشكل كبير، إذ لا تقتصر المخاطر على الضربات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى تهديد البنية التحتية للطاقة والموانئ والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.

 

يشكل أي اضطراب طويل الأمد في منشآت الطاقة أو طرق التجارة خطرًا على الأسواق العالمية، وقد يقود إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط والغاز وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية. وفي الوقت نفسه قد تواجه الدول الخليجية ضغوطًا اقتصادية إضافية لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة لتمويل ميزانياتها.

 

وقد تضطر هذه الدول إلى توجيه موارد مالية أكبر إلى الإنفاق الدفاعي بدل الاستثمار في مشاريع التنمية والاستقرار الاجتماعي.

 

مستقبل الأمن الجماعي في الشرق الأوسط

 

يدفع التصعيد العسكري مفهوم الأمن الجماعي في الشرق الأوسط إلى وضع أكثر هشاشة. يعتمد هذا المفهوم أساسًا على التعاون بين الدول والثقة المتبادلة، لكن الهجمات المباشرة بين الأطراف الإقليمية تقوض هذه الثقة وتعزز منطق التحالفات العسكرية التقليدية.

 

تركّز الحكومات الآن على حماية حدودها الوطنية أكثر من التركيز على بناء مشاريع تعاون إقليمي واسعة. وقد يؤدي هذا التراجع في العمل الجماعي إلى زيادة احتمالات الصراع والعنف في المستقبل.

 

ويرى الكاتب أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقتصر على استهداف قواعد عسكرية، بل تشمل البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة بهدف ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي على جيرانها. وتسعى طهران عبر هذا النهج إلى إنهاك الدول المحيطة بها ودفعها للضغط على الولايات المتحدة من أجل إنهاء الحرب.

 

لكن هذا المسار، وفق التحليل، قد يقود إلى نتيجة عكسية، إذ يعمق عزلة إيران الإقليمية ويزيد اعتماد دول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية.

 

ويخلص التحليل إلى أن ما يجري في الخليج لا يمثل مجرد تصعيد عابر، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا يعيد المنطقة إلى منطق الصراع والمنافسة الحادة، بينما تتراجع فرص التعاون الإقليمي والحلول الدبلوماسية متعددة الأطراف.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/03/iran-collective-security-gulf-states-us-security